ابن الأثير

559

الكامل في التاريخ

ما أراد فكتب إليه : يا أمير المؤمنين ، قد عرفت حاجتك إليّ وإنّي في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم ، فلست أريد فراقهم حتى يقضي اللَّه فيّ وفيهم أمره وقضاءه ، فحلّلني [ 1 ] من عزيمتك . فلمّا قرأ عمر الكتاب بكى ، فقال النّاس : يا أمير المؤمنين ، أمات أبو عبيدة ؟ فقال : لا ، وكأن قد . وكتب إليه عمر ليرفعنّ بالمسلمين من تلك الأرض ، فدعا أبا موسى فقال له : ارتد للمسلمين منزلا . قال : فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت . فرجعت إليه فقلت له : واللَّه لقد كان في أهلي حدث . فقال : لعلّ صاحبتك أصيبت ؟ قلت : نعم . قال : فأمر ببعيره فرحل له . فلمّا وضع رجله في غرزه طعن ، فقال : واللَّه لقد أصبت ! ثمّ سار بالنّاس حتى نزل الجابية ، وكان أبو عبيدة قد قام في النّاس فقال : أيّها النّاس ، إنّ هذا الوجع رحمة ربّكم ودعوة نبيّكم وموت الصالحين قبلكم ، وإنّ أبا عبيدة سأل اللَّه أن يقسم له منه حظّه فطعن فمات . واستخلف على النّاس معاذ بن جبل ، فقام خطيبا بعده فقال : أيّها النّاس ، إنّ هذا الوجع رحمة ربّكم ودعوة نبيّكم وموت الصالحين قبلكم ، وإنّ معاذا يسأل اللَّه أن يقسم لآل معاذ حظّهم . فطعن ابنه عبد الرحمن فمات ، ثمّ قام فدعا به لنفسه فطعن في راحته فلقد كان يقبّلها ثمّ يقول : ما أحبّ أنّ لي بما فيك شيئا من الدنيا . فلمّا مات استخلف على النّاس عمرو بن العاص ، فخرج بالنّاس إلى الجبال ، ورفعه اللَّه عنهم ، فلم يكره عمر ذلك من عمرو . وقد قيل : إنّ عمر بن الخطّاب قدم الشام ، فلمّا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد فيهم أبو عبيدة بن الجرّاح ، فأخبروه بالوباء وشدّته ، وكان معه المهاجرون والأنصار ، خرج غازيا ، فجمع المهاجرين الأوّلين والأنصار فاستشارهم ، فاختلفوا عليه ، فمنهم القائل : خرجت لوجه اللَّه فلا يصدّك عنه هذا ، ومنهم

--> [ 1 ] فخليني .